أدخلت التقنيات الحديثة مفردات جديدة في الحياة اليومية، وجدت أصداءها في معظم قطاعات المجتمع وفئاته، ومن بينها النساء بطبيعة الحال، واللواتي هنّ نصف المجتمع، بل وأكثريته من حيث عدد السكان.
وكأي جديد في هذا العالم، ظهرت للتقنيات الحديثة إيجابيات وسلبيات، أوجدت حلولاً ومشاكل للعديد من الناس، فكان أن أوجدت التقنيات الحديثة فرص عمل وقدرة تواصل أسرع وأرخص، وغيرها، وفي نفس الوقت أحدث العديد من المشكلات التي طالت غالبية الناس، ابتداءً من الأطفال، وصولاً لكبار السن، مروراً بالمراهقين والناضجين. ومن خلال هذه التقنيات الحديثة، والإمكانيات التي تقدّمها للكثيرين، حاول البعض من ضعاف النفوس، استغلال هذه التقنيات في سبيل الإيقاع ببعض الفتيات اللواتي ربما يجهلن مخاطر التقنية الحقيقية، أو وقعن فريسة للتغرير بهنّ، أو غير ذلك.. حتى تحوّلت الكثير من هذه القضايا إلى المحاكم بعد أن وصلت حدّاً لم يعد من الممكن التصدي لها عبر الأساليب التقنية أو الاجتماعية.
فما رأي القضاء والمحامين في السعودية حول هذه القضايا، وما حجمها في القضاء، وماذا ينبغي على الفتاة أن تفعله بحال تعرّضت للابتزاز.
مشاكل التقنية التي لا تنتهي:
الجوالات، الكاميرات الرقمية، البلوتوث، الإنترنت، المحمول، بطاقات الذاكرة، وغيرها من المفردات التقنية الحديثة التي دخلت حياتنا خلال السنوات القليلة الماضية، كانت الوسيلة المثلى للكثير من ضعاف النفوس، للإيقاع بالفتيات، والتغرير بهنّ، عبر الحصول على صورهنّ الخاصة بطرق غير مشروعة، أو الحصول على بيانات معينّة لهنّ، أو تصويرهن، ثم استغلال هذه الصور والبيانات في استغلال الفتيات، والإيقاع بهنّ، وصولاً إلى تحقيق أطماع دنيئة لا تتناسب مع أخلاقيات المسلم وفطرته وامتثاله لأوامر الله تبارك وتعالى.
إحدى القصص الكثيرة التي يتضجّ بها وسائل الإعلام، ما كشفه أحد المستشارين القانونيين في إحدى شركات الجوال السعودية، والذي قال لموقع (وفاء): "طلب مني أن أقوم بالتحقيق مع أحد الشباب العاملين في خدمة الزبائن، وخلال التحقيق معه، تبيّن أنه ومن خلال ردّه على المتصلين، كان يتقصّد الاحتفاظ بأسماء وأرقام جوالات المتصلات من الشابات تحديداً، وكان لديه جوالين، أحدهما يضم شريحة من نفس شركة الجوال، والآخر يحتوي شريحة من شركة جوال أخرى في المملكة، وكان يقوم كل يوم بالاتصال على الفتيات اللواتي حصلن على أرقام هواتفهنّ المحمولة من العمل، من شريحة جوال شركة الاتصالات الأخرى، ليبعد الشبهة عن نفسه. وكان يحاول الإيقاع بالفتيات والتغرير بهنّ، خاصة وأنه يبدأ بسرد بعض المعلومات الخاصة عن الفتيات، وكأنه يعرفهنّ جيداً.. ومرة بعد مرّة، تم اكتشاف أمره بسبب شكاوى فتيات ششكن بالموظف، وبالفعل، بعد التحقيق معه والتأكد من ملكية شريحة الاتصالات الأخرى، تأكدنا أنه الفاعل، وتمّ فصله من الشركة، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية معه".
شكل آخر من المشكلات تقع، عندما يقوم شاب ما بإرسال رسائل إلكترونية تضمّ برامج تجسس إلى إحدى الفتيات، وتقوم هذه البرامج بتمكين الشاب من الاطلاع على محتويات جهاز الفتاة، وبالتالي سرقة صورها الشخصية، والحصول على جميع المعلومات التي في الجهاز، ثم يبدأ بابتزاز الفتاة عبر تهديدها بنشر صورها.
كما يقوم البعض بالحصول على الجوالات وشرائح الاتصال، وعبر برامج خاصة، يقوم باسترجاع جميع الصور التي كانت موجودة، وقد يعثر على صور فتيات، يقوم بمحاولة ابتزاهنّ. وكثيراً ما عالج الجهات المختصة في السعودية، كالشرطة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذه القضايا.
قضايا جديدة في المحاكم السعودية:
أكّد عدد من العلماء القضاة لموقع (وفاء) وصول قضايا جديدة تتعلق بالابتزاز والتقنيات الحديثة إلى القضاء، مشيرين إلى أن طريقة التعامل مع هذه القضايا تختلف حسب كل حالة. كما قدّم القضاة عدد من النصائح الهامة والمفيدة للخروج من هذه الأزمات.
وفي هذا الصدد، قال فضيلة الشيخ عبدالمنعم سعود العبدالمنعم (رئيس محاكم المجمعة): " لاشك بأن استحداث التقنية والثورة المعلوماتية التقنية استحدثت قضايا لم تكن موجودة من قبل, لذلك كان من المعروف فقهاً أنه ستحدث قضايا جديدة، والقضاء معنى بها وينظر إليها نظرة عامة من كافة الجوانب، ومتى ما عرضت على القضاء فإنه سينظر لها بحسب الأصول والشرعية".
وأضاف فضيلته بالقول لموقع (وفاء) عن عدد هذه القضايا في المحاكم السعودية، وإن كان هناك إحصائية حول ذلك: " في حكم كون هذه القضايا من القضايا المستجدة في الواقع المعاصر، ولكون هذه الظاهرة أتت متسارعة وبوقت قصير، فإنه يصعب إحداث بيان تفصيلي لهذه القضايا, ولكن ممكن أن تأخذ هذه الإحصائيات من العلاقات العامة في وزارة العدل أو من المجلس الأعلى للقضاء".
الحيطة والحذر قبل كل شيء:
من جهته، أكد فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الواحد النوح (القاضي في المحكمة العامة في حائل) لموقع (وفاء) وجود العديد من القضايا التي تتعلق بالتقنيات الحديثة ومشاكل الإنترنت إلى المحاكم في السعودية، مؤكداً أن أكثر هذه القضايا هي قضايا الابتزاز.
وفي معرض ردّه على سؤال حول أكثر النصائح التي يجب توجيهها إلى الفتيات في مثل هذه الحالات، خاصة وأنهنّ دائماً أمام إمكانية تعرضهنّ للابتزاز عبر سرقة بياناتهنّ، قال فضيلته: "أنصح جميع الفتيات أن ينتبهوا لأنفسهن، وأن يراقبوا الله عز وجل قبل كل شيء، ويتجنبوا قدر المستطاع وضع أي صورة لهنّ في أجهزتهنّ"، مؤكداً على أن الحيطة والحذر يجب أن تكون حاضرة قبل كل شيء لدى الفتيات. وبحال تعرضهنّ لمثل هذه الحالات، يضيف الشيخ النوح بالقول: "هنا يجب أن يطلعوا أولياء أمورهنّ على ما يحدث معهنّ أول بأول، حتى لا تتفاقم المشكلة, كما يمكن اللجوء لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن حتى اللجوء إلى الهيئة أنصح بأنه يجب أن يتم عن طريق ولي أمر الفتاة".
ماذا تفعل الفتاة حينها؟
"في حال حدوث مشكلة ابتزاز، فإن الخطأ في الدرجة الأولى يقع على عاتق الفتاة، فعلى كل فتاة أن لا تحتفظ بأسرارها أو صورها الشخصية في أي جهاز حاسب آلي مرتبط بالانترنت أو حتى جهاز "جوال" لسهولة اختراق مثل هذه الأجهزة أو ضياعها". هكذا يصف المستشار القانوني في هيئة التحقيق والادعاء العام الأستاذ علي سالم، وقوع مثل هذه المشاكل في البيوت. وفي كيفية الخلاص من هذه المشكلة، والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، يقدّم المستشار القانوني جملة من النصائح للحسبة، منها:
- على الفتاة بالدرجة الأولى أن لا تعالج الخطأ بخطأ أكبر منه، فالخضوع والاستسلام للابتزاز هو الموت البطيء والذي في نهايته الحتمية الضياع والعار والدمار.
- لا أستطيع أن أنصح الفتاة بإخبار أهلها كما لا أستطيع أن أنصحها بعدم إخبارهم، لأنني لا أعرف مدى ما يتمتع به الأهل من حكمة وبعد في النظر في مواجهة مثل هذه المشكلات، ومع هذا فإخبار الفتاة للعقلاء من أهلها منذ البداية أفضل, فمهما كانت ردود أفعالهم فهي لا توازي ما يعيد منهم لو عرفوا الموضوع من غيرها وبعد فوات الأوان.
- تحتاج مثل هذه المشكلة إلى الهدوء والتعقل والتفكير العميق قبل اتخاذ أي خطوة، فالعدو يملك السلاح وأدوات الحرب، ولابد من تجريده لضمان السلامة وعدم وقوع حوادث وخسائر وقبل أن يستخدم هذا السلاح.
- من واقع التجربة الشخصية فإن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتعامل بحكمة مع هذه الظاهرة، ويكون تدخلها ناجحاً وناجعاً وفي صالح الفتاة، ويسهم في إيقاف هذا الابتزاز وتقديم المبتز للعدالة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق