الاثنين، 25 أبريل 2011

ابتزاز الفتيات... الأسباب والدوافع والمآلات

ظاهرة جديدة بدأ يعاني منها مجتمعنا في الآونة الأخيرة منذ بزوغ فجر الطفرة التكنولوجية وعصر السموات المفتوحة الذي جاء مواكبًا لتحولات وتطورات طرأت على المجتمع السعودي نتيجة الطفرة النفطية وتفور سبل الحياة السهلة،  فالجولات الحديثة وشبكات الإنترنت والقنوات الفضائية أوقعت الكثير من الفتيات فيما يعرف بقضايا الابتزاز، تلك الظاهرة التي بدأت في الظهور ثم أخذت في الاستفحال وتطورت أساليبها وطرقها، هدفها واحد وهو استغلال الفتاة ماديًا أو جسديًا وانتهاك محارم الله، وطريقها هو السيطرة على قلب وعقل الفتاة عبر كلام حلو معسول، لتقع فريسة خاضعة لإشباع رغبات المبتز.
واقع مرير:
يقول الدكتور عبد المحسن بن عبد الرحمن القفاري، مدير مركز البحوث والدراسات بالرئاسة العامّة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: توصّلت الدراسة التي أجريت من خلال عيّنات القضايا المضبوطة من قبل مراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفترة الأخيرة إلى بشاعة  بعض وقائع الابتزاز والتي  اشتملت على الإهانة والعنف، بل والتعذيب أحياناً مع التعدّي على العرض، وسلب المال، والأذى الجسديّ والمعنويّ.
إحدى الفتيات تعترف أنها مضطرة لدفع مبالغ طائلة لأحد الشباب الذي تعرفت عليه قبل فترة، ولم يكن بينهما سوى مكالمات هاتفية، استغلها بخبثه، وقام بتسجيل كل مكالماتها معه، وبعد أن فكرت في التوقف عن تلك المكالمات المشبوهة ظهر لها بوجه آخر، وبدأ يهددها بفضحها ونشر مكالماتها عبر البلوتوث، إلا أن تحقق مطالبة، وظلت 14 عامًا ترفض الزواج وترد الخطاب حتى استعانت بالهيئة وقبض على الشخص الذي كان يبتزها.
فتاة أخرى صورها شاب في حين غفلة، وبدأ يساومها يوميا، ويطلب منها تقديم تنازلات من أجل عدم نشر صورها، حتى أصبحت حياتها لا تطاق، وهي تفكر الآن في الانتحار.
والمعاناة لا تقتصر على الفتيات المتورطات، اللاتي تورطن في علاقات ببعض الشباب، فهناك الكثير من الضحايا من البريئات، اللاتي ليس لديهن أي علاقة، تقول إحدى الفتيات إنه تم تصويرها في إحدى حفلات الزواج دون علمها، وبعد فترة ظهر لها شاب، وأخبرها أن صورتها لديه، ومن ثم بدأ في ابتزازهاـ تقول بحسرة " لا أعرف ماذا افعل؟، فالكل سيظن أني قصدت أن أتعرض للتصوير، خاصة وأن المقطع كما قيل قد صور بشكل محترف، ويوحي بأني على علم بذلك"، وتضيف أنها لن تخبر أحداً فليس هناك من يتفهم مشكلتها.
أشكال الابتزاز:
 وتتعدّد أشكال  وصور  الابتزاز؛ فهي  إمّا أن تكون  بالصور، أو الفيديو، أو بالرسائل الغراميّة، أو بالمكالمات المسجّلة، وغالباً ما يطلب المبتزّون الأموال من الضحايا، أو استمرارهنّ في العلاقة الآثمة. وحال رفض الفتيات للتهديدات يقوم المبتزّ بإفشاء العلاقة للأب، أو للأخ، أو حتى للزوج، بل قد يصل الأمر إلى نشرها على الإنترنت.
ويمثل الاستخدام السلبي لتكنولوجيا المعلومات والتقنية الحديثة للإنترنت عنصراً مهماً في انتشار هذه الجرائم التي يستغلها ضعاف النفوس لتحقيق أهدافهم الدنيئة في استهداف الفتيات وتهديدهن بالفضائح وتوزيع ونشر صورهن في أوضاع مشينة
أسباب انتشار الابتزاز:
 وعن أسباب انتشار وقائع ابتزاز الفتيات ترى  د.سهيلة زين العابدين داعية إسلاميّة وناشطة حقوقيّة: إنّ من أهم الأسباب وراء انتشار هذه الجرائم هو عدم توافر الرقابة من قبل الأهل على الأبناء، وغياب الحوار بينهم، فلو كان هناك رقابة وحوار لما وقعت الفتاة فريسة في أيدي الشباب، ولما أقامت علاقة غير شرعيّة معهم لأنّها ستكون قد تلقّت النصيحة والإرشاد من والديها.
ونرى أن من أهم أسباب انتشار ظاهرة الابتزاز:


أولا: ضعف الوازع الديني:
قليل الدين لا يبالي بما يقول ويفعل، وكذلك قليلة الدين لا تبالي. قليل الدين لا يبالي أوقع على المعصية أم وقعت المعصية عليه، وأمثال هؤلاء مهما وعظتهم أو ذكّرتهم فحالهم كحال الذي يقول: {قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ(136)} [الشعراء ]. إنهم لا يبالون بانتهاك أعراض المسلمين؛ لأن قلوبهم قد ماتت بسبب ولعهم بارتكاب الفواحش والمنكرات.
ثانياً: الجهل بالتربية من قبل الوالدين:
بعض الأسر لا تقوم بتوعية بناتها توعيه كافية بشأن الشر الموجود في هذا العصر؛ مما جعل الفتاة تعيش في خيال سببه أن تعامل محارمها وأقاربها معها يعتمد على الصدق والأمانة، فإذا تورطت في علاقة مع شاب مستهتر تظنّه صادقاً أيضاً عندما يدّعي لها أن قصده شريف وأنه يريد الزواج بها فتصدّقه وتنقاد إليه حتى تقع الفأس في الرأس.
ثالثا: الفضائيات والإعلام:
إن الأفلام والمسلسلات التي تعرض في أغلب الفضائيات وتشاهدها الفتيات والشباب علمت الكثير أنه لا يمكن أن يتزوج شاب بفتاة إلا عن طريق إقامة علاقة حبّ ابتداءً، وأن كل زواج لا يستند إلى علاقة حب هو زواج فاشل؛ مما جرأ كثيراً من الشباب من الجنسين على إقامة هذه العلاقات، إضافة إلى المشاهد الجنسية في الأفلام والمسلسلات وأغاني الفيديو كليب التي أججت العواطف وأشعلت المشاعر وجعلت الكثير يتّجهون إلى الحرام من أجل إشباع هذه العواطف والرغبات التي أشعلها شياطين الإنس والجن في الجنسين،
رابعا: الاختلاط:
لقد اتضح أن قضايا الابتزاز تقع كثيراً في أماكن العمل المختلط، مع ارتباط مصالح النساء العاملات برجال ليسوا أحياناً من أهل الأمانة والمروءة؛ مما يؤدي إلى وقوع بعض التحرشات الجنسية أو الابتزاز بدافع العوز الماديّ أو من خلال ما ينشر في الصحف عما يسمّى بمؤسسات التوظيف أو الإعلان عن وظيفة، حيث اتضح أن هناك صوراً من ابتزاز المرأة من خلال بعض المؤسسات والإعلانات، والتي كثيراً ما تكون وهمية، يتم الإيقاع بالضحايا من خلال الاختلاط في العمل وتفصيل العمل على أساس الإيقاع بهنّ من خلال الخلوة بين الجنسين، وصدق رسول الله : “ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما” والناظر في أي جريمة زنى يرى في الاختلاط رأس المشاكل وأصل البلاء، وليست المعاينة كالسماع، فنظرة واحدة في أحوال الغارقين في الوحل تغني عن آلاف الخطب والمواعظ وصيحات التحذير، ومن لم تنفعه عيناه لم تنفعه أذناه، قال يحيى بن معاذ: “ومن لم يعتبر بالمعاينة لم يتعظ بالموعظة، ومن اعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة”
خامساً: فقدان العاطفة والحب في كثير من البيوت:
من الوالدين من يحرم أولاده من الشفقة والحنان وإشباع العواطف؛ مما يحدوهم إلى البحث عن ذلك خارج المنزل، ويشتد الأمر إذا كان ذلك في حق البنات، فهن أرق شعوراً وأندى عاطفة، فإذا شعرت بفقر من هذا الجانب أظلمت الدنيا في وجهها، وربما قادها ذلك إلى البحث عما يشبع عواطفها، ولعل هذا من أسباب المعاكسات وضياع الآداب، ولا ندري أين نحن من قول النبي الذي قال له رجل: نحن لا نقبل أبناءنا، فقال له: “أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟!” وكانت السيدة فاطمة رضي الله عنها تدخل عليه فيقوم إليها ويقبلها. يقوم إليها ويقبلها هو ولا يقول لها: قبلي رأسي، بل يجلسها مكانه بعد أن يضمّها إليه ضمة الشوق والحنان، فأين نحن من تربيته؟!
سادسًا: الفراغ: 
فقد أكدت جميع الدراسات الاجتماعية والنفسية الآثار السلبية والمدمرة للفراغ والتي قد تؤدي إلى الوقوع في الجريمة،  يقول الشاعر:
إن الفراغ و الشباب و الجدة .. مفسدة للمرء أي مفسدة
فكثير من الشباب والفتيات وقع فيما يغضب الله بسبب الفراغ وحب الاستطلاع، فالفراغ قد يدفع الفتاة في ظل مللها إلى تصفح الإنترنت للبحث عن شيء يشد انتباهها ويستحوذ على وقتها، وكم من الفتيات بدأت القصة معهن من تقضية وقت الفراغ إلى الوقوع في الحرام.
مشكلة الابتزاز الوقاية والعلاج:
وعن حل مشكلة الابتزاز  يرى الدكتور عبد الرازق الزهراني استشاري علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود : أنه يجب التشديد على ضرورة التركيز على التربية كحل أمثل لهذه المشكلة، سواء في المدرسة، أو المنزل، إضافة إلى الاهتمام بالبعد البنائي للشخصية، وزرع القيم الفاضلة في الشباب والفتيات، وربط الأجيال الجديدة بالله عز وجل، وبقيم الحياة، وتقديم الجوانب الروحية على المادية.
وأشار إلى أهمية الضبط الاجتماعي داخل الأسرة، وحماية الشباب من التفسخ والانحلال. وإلى إبعاد هؤلاء الشباب عن كل ما يثير العواطف، ويلهب المشاعر، ويحرك الغرائز، وإيجاد بدائل لإشباع تلك العواطف والمشاعر بطرق شرعية.
من الأمور الوقائية التي تقي الفتيات من الوقوع في براثن الابتزاز :
أولا: تقوية الوازع الديني في نفوس الأبناء والبنات، فيجب على الأسرة تحذير أبنائها من الغفلة والاستهانة بالمعاصي، وأن ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإصرار على ذلك ما هو إلا دليل على قسوة القلوب التي توعّد النبي أصحابها بقوله: “ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوه وهم يعلمون” صحيح الجامع (897). فكما أن القمع يدخل ما يوضع فيه من جانب ويخرج من الجانب الآخر فكذلك قاسي القلب أذناه طرفا قمع، يدخل الكلام من الأذن اليمنى ليخرج من اليسرى، دون أن يستقر منه شيء، وبعض الناس الذين يمارسون الفواحش مهما نصحتهم أو وعظتهم لا يتغيّرون ولا يرتدعون؛ لهذا كان جزاؤهم عظيماً، كما قال.
ثانيًا: لا بد من توفر العطف والحنان للأبناء، وبخاصة البنات؛ لكي لا تذهب الفتاة وتبحث عنه خارج الأسرة من أي شخص آخر قد يسمعها هذا الكلام، فالأم لا بد أن تكون صديقة لابنتها، والأب لا بد أن يُسمع ابنته كلام العطف والحنان ولمسات الحبّ والإعجاب بها، حتى تكون معتادة على سماع هذا الكلام الجميل، فيكون ذلك حامياً لها من الوقوع في أي كلام معسول قد تسمعه من ذئب من الذئاب.
ثالثًا: لا بد من إعطاء الثقة للأبناء، ولا بد من المتابعة والمراقبة لهم ولو بشكل غير مباشر، فلا بد من ضبط أوقات الدخول والخروج، ولا بد من معرفة أصدقاء الابن والابنة، ولا بد من مراقبة واستبعاد القنوات الفضائية التي تؤثِّر على أخلاقهم وإفهامهم أنه لا انفراد في غرفة مغلقه أثناء الكلام بالهاتف أو الجوال أو الإنترنت، لا بد أن نفعل ذلك، وإلا دفع أبناؤنا الثمن بسبب صغَر أعمارهم وقلة خبرتهم بالحياة وكثرة الإغراءات التي تواجههم.
رابعًا: الحذر والحرص من عدم استخدام أجهزة الجوالات في تصوير أفراد العائلة من الإناث خصوصاً؛ لأنه قد يُفقد الجهاز أو يُسرق فيقع في أيدي من لا يخافون الله. وننبه هنا إلى عدم إرفاق ذاكرة الهاتف مع الجهاز أثناء صيانته؛ لأن بعض العاملين في هذه المحلات يستغلون وجود صور الفتيات أو يستخدمون برنامج استرجاع المحذوف من الذاكرة، فيحصلون على بعض الصور والمقاطع، ويستغلونها في ابتزاز الفتيات، وقد ثبت ذلك في بعض الوقائع.
ومن أهم الحلول لمعالجة قضية الابتزاز:
أولاً:- التوبة إلى الله والاستغفار والعزم على الإقلاع وعدم الرجوع إلى هذا الذنب.
ثانياً:- المجاهدة والصبر والمصابرة فبعد الصبر ينفرج الهم والكرب " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "
ثالثًا: على من تقع من الفتيات في الابتزاز مصارحةُ الأم أو الأب أو أحد الأهل والأقارب بحقيقة الأمر والاعتراف بالذنب والخطأ وإعلان التوبة والندم. وفي هذه الحالة ندعو أولياء الأمور إلى التعقّل وضبط النفس؛ لأن التوبة والاعتراف خير من التمادي في الباطل، ثم إنه لا يوجد هناك من لا يخطئ، فكّل ابن آدم خطّاء، وخير الخطَّائين التوابون، كما قال.
رابعًا:- إبلاغ الجهات المعنية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد سجلت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاحاً واضحاً وقد أثبتت فعاليتها في حل هذه القضايا وحفظ فتيات المسلمين ممن يحاول إيقاع الشر بهن، ومما يجدر به الذكر أن الهيئة تتعامل مع مثل هذه القضايا بسرية تامة جداً بحيث تحافظ على سمعة هذه الفتاة وتخلصها من شر هذا المبتز.. وإننا ولله الحمد والمنة تمكنَّا في حل كثير من مشاكل الابتزاز، ففي الشهر الحالي نجحت الهيئة في تبوك في حل أكثر من أربع حالات ابتزاز وتم بحمد الله إيقافهم عن غيهم وابتزازهم ومعالجة حالة الفتاة بالسرية التامة. 

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق